ابن بسام
111
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
ويوزع الشكر على ما أولاه بمنّه ، وإياه أسأل أن يجعلك في حيز الكفاية ، وجانب الوقاية ، حتى لا تساء بقريب مأمون ، ولا بعيد مظنون ، بمنّه وطوله ، إن شاء اللّه . إيجاز الخبر عن هذه الأحدوثة بلفظ ابن حيان [ 1 ] قال أبو مروان : وفي سنة أربعمائة وخمسين تواتر الإرجاف بقرطبة أن عبادا دبّر
--> [ 1 ] يختلف النص في د ط س في خبر هذه الحادثة ولذلك أثبته هنا : « وفي سنة خمس [ كذا ] تواتر الإرجاف بقرطبة أن عبادا دبر النزول بزهرائها المعطلة التي منها أبدا كان باب مقتلها ، وسبق الخبر بأنه قد أنهض نحوها ابنه إسماعيل وهو كالنار [ في ] أحجارها مستكنة ، ولا يشك أنه أرسل منه على قرطبة شواظ نار لا يذر منها باقية ، فنفّس اللّه مخنقها بما نقض تدبيره وفت عزمه فأقصر صاغرا ، وكان من قدر اللّه تعالى أن كره هذا الفتى ما حمله عليه والده من ذلك وهاج منه حقودا كانت له بنفسه كامنة ، جسرته على معصية أبيه ، وانصرف من طريقه إذ عظم عليه أمر الهجوم على مثل قرطبة مع قرب حليفهم باديس بن حبوس الذي لم يشك في إسراعه إليه فيقع بين لحيين يمضغانه ، وأنه عرض ذلك على أبيه فاستجبنه وأغلظ وعيده وكاد يسطو به ، فأوحشه ذلك ، ودبر الفرار عنه مع خويصة له أغوته ، فأصاب فرصة بمغيب والده عن حضرته إلى مكان متنزهة بحصن الزاهر ، فاقتحم قصره ، وعلق ببعض ذخائره ، واحتملها مع أمه وحرمه ، واستكثر مما غله من المال والمتاع ، ومضى لوقته مبادرا طريق الجزيرة الخضراء فظفر به ، وصرف بعد أن اضطره إلى ابن أبي حصاد بقلعته مستجيرا به فأجاره بأسفل قلعته ولم يصعده إليها استظهارا على مكيدة قدرها من أبيه ، وبادر بالكتاب إليه أنه حصل لديه ، فسر المعتضد بذلك ، وخاف أن يلحق ببعض أعدائه هنالك ، فآب إسماعيل ودخل إشبيلية ليلا ونكب به عن القصر ، وصرف على أبيه جميع ما كان تحمله من ماله ، حتى أن زاملة من زوامله قصرت عنه عند جده في السير ، وغادرها في الصحراء رازحة ، فوقعت إلى بعض فرسان والده فقبض عليها وصرفت بجملتها لم يقطع لها حبل ، فزعموا أن وقرها كان مالا صامتا وذخائر ؛ فأظفر اللّه عبادا بولده ليبلوه فيما آتاه من ذلك فآثر الشفاء على المغفرة ، إلا أنه لحقته لهذه الحادثة ، لطروقها من مأمنه ، وفساده لأكرم أعضائه عليه ، خشعة فتت عزمه في أذاة قرطبة والجعجاع بأهلها ، فتنفس مخنقهم قليلا ، وكفت الغارات عنهم وقتا ، وسارع سعرهم إلى الانحطاط . وكان الذي دبر له هربه عن أبيه وزيره وصاحبه أبو عبد اللّه البزلياني المهاجر إليه من وطنه مالقة . وكان إسماعيل قد رمى إلى هذا الكهل مقاليده وفوض إلى رأيه ، فلم يبارك له فيه ، وشكا إليه بعض ما يناله من فظاظة أبيه ورميه المتالف به ، فحسن عنده العقوق له والذهاب عنه إلى بعض أطراف أعماله ليتغير عليه وينفرد بنفسه ، وكان خرج معه وزيره هذا البزلياني ، فلما صرفوا من قلعة الحصادي - حسبما تقدم - عجل عباد ضرب عنق البزلياني مع نفر من خول ابنه ، واعتقله ، فدبر من مكان اعتقاله الهجوم على أبيه ، وساعده الموكلون به ، فظفر بهم وأتى عليهم ، وطمس أثر ولده وقطع دابره ، فكأن لم يكن قط أميرا ، ولا أنفذ حكما ، ولا قاد جيشا ، وما ابن عباد ببدع فيما أتاه في هذا ، فقد يضطر الملوك مع ذوي أرحامهم السامين إلى نيل منازلهم من مستجرئ عليهم إلى ما يحملهم على انتهاك ذلك حبا للحياة الدنيا ، على أن العفو كان أقرب للتقوى ، مع أن أسباب الملك الاضطرارية لا تحتمل الاستقصاء ولا تعرض للتمحيص ، قرن اللّه بأعمالهم الصلاح ، وجنبهم بمنه الجناح ( ط د س : النجاح ) .